وهبة الزحيلي
256
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
البلاغة : وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمالُهُمْ كَسَرابٍ وكذلك أَوْ كَظُلُماتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ كل منهما تشبيه تمثيلي رائع وبديع . المفردات اللغوية : وَالَّذِينَ كَفَرُوا أي حالهم على ضدّ حال المؤمنين ، فإن أعمالهم التي يحسبونها صالحة نافعة عند اللّه يجدونها في الآخرة لاغية مخيبة للآمال . كَسَرابٍ هو ما يرى في عين الإنسان أثناء سيره في الفلاة من لمعان الشمس وقت الظهيرة في شدة الحر ، فيظن أنه ماء جار أو راكد على وجه الأرض . بِقِيعَةٍ جمع قاع ، أي فلاة ، وهو ما انبسط من الأرض . يَحْسَبُهُ يظنه . الظَّمْآنُ العطشان ، وخص الظمآن بالذكر لتشبيه الكافر به في شدة الخيبة عندما تمسّ الحاجة إلى الظفر بثمرة عمله . حَتَّى إِذا جاءَهُ جاء ما تو همه ماء أو جاء موضعه . لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً مما ظنه أو حسبه ، وكذلك الكافر يحسب أن عمله كالصدقة ينفعه ، حتى إذا مات وقدم على ربه ، يجد عمله لم ينفعه . وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ أي عند عمله . فَوَفَّاهُ حِسابَهُ جازاه عليه في الدنيا . وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسابِ أي المجازاة ، لا يشغله حساب عن حساب . أَوْ كَظُلُماتٍ أي والذين كفروا أعمالهم السيئة في الدنيا كالظلمات المتراكمة و أَوْ إما للتخيير فإن أعمال الكفار لكونها لاغية لا منفعة لها كالسراب ، ولكونها خالية عن نور الحق كالظلمات المتراكمة في لج البحر والأمواج والسحاب ، وإما للتنويع فإن أعمالهم إن كانت حسنة فكالسراب ، وإن كانت قبيحة فكالظلمات ، وإما للتقسيم باعتبار وقتين وهو الظاهر ، فإنها كالظلمات في الدنيا والسراب في الآخرة . فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ عميق ، أو ذي لجّ وهو معظم الماء ، والمقصود : بحر عميق الماء كثيره ذو طبقات . يَغْشاهُ يغطيه . مِنْ فَوْقِهِ الظلمة الأولى أي الموج . مِنْ فَوْقِهِ والظلمة الثانية أي الموج الثاني ، والمراد بظلمات البحر : أمواج متراكمة مترادفة ، والمراد بالسحاب : سحاب غطى النجوم وحجب أنوارها . والسحاب : غيم . كَظُلُماتٍ أي هذه ظلمات : ظلمة البحر ، وظلمة الموج الأول وظلمة الثاني ، وظلمة السحاب . إِذا أَخْرَجَ يَدَهُ أخرج الناظر يده في هذه الظلمات وهي أقرب شيء إليه . لَمْ يَكَدْ يَراها لم يقرب من رؤيتها فضلا عن أن يراها . وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَما لَهُ مِنْ نُورٍ أي من لم يهده اللّه لم يهتد ، والمراد من لم يوفقه لأسباب الهداية لم يكن مهتديا .